هشام جعيط

252

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

وجهها الأول ، وبالمقابلة بين اللسان « 1 » والملطاط « 2 » ، وبإكثار المصادر من استعمال كلمة « الظهر » « 3 » ( اليابسة التي ترتفع فوق السطح أو التجويف وتقابله ، كما يتقابل الظهر والبطن ) . وتتكلم المصادر بخصوص الكوفة عن المسنّاة ( سد ) مع أنه كانت توجد مسناة اسمها مسناة جابر « 4 » بالحيرة على الرغم من الاعتقاد السائد بأن الحيرة كانت غائصة في الصحراء . وتكمن أهمية نصوصنا سواء لدى الطبري « 5 » ، أو لدى البلاذري « 6 » ، في التدليل على وجود شبكة من القنوات في جنوب الكوفة وفي المنطقة التي كانت تقع قبل الفرات . وهذه القنوات معروفة بنهر الحيرة ، ونهر السيلحين ونهر القادسية ونهر يوسف « 7 » ( يرجح أن يوسف بن عمر هو الذي أمر بحفره ، ويكون إذن خطأ تاريخي ورد بالرواية ) . فما هي هذه القنوات ؟ أين كانت توجد ؟ ما هي وظيفتها ؟ هل كانت قنوات قديمة مهملة فتح فعلا المختار اتصالها بالفرات بعد أن كانت مقفلة ، وبذلك جف أسفل الفرات ؟ علما أن الأخبار الخاصة بمعركة القادسية « 8 » تحدثت عن قناة اسمها العتيق ويبدو أنها كانت مهملة ولعلها كانت مسدودة ، وقد أشار إليها المسعودي أيضا واصفا إياها بأنها مجرى قديم للفرات كان يصب في بحر قديم قام مكان بحيرة النجف « 9 » . من المؤكد أن الحيرة لم تكن تقدر أن تحافظ على وجودها المزدهر في الماضي كواحة من دون الري . وقد تغذت الضفة العربية للفرات بالماء بواسطة الأنهار - القنوات . ويحتمل أنها تعطلت أو تقهقرت في أواخر العصر الساساني وعادت إلى سالف نشاطها في العصر العربي . ومن المعلوم أن خالد القسري أمر بعد ذلك بحفر النهر الجامع ونهر خالد والمبارك وباجوّه وبارمانه ولوبه فمثل كل ذلك شبكة حقيقية « 10 » . ولعل الجامع وحده كان موجودا بمنطقة الكوفة « 11 » . فهل إليه تلمّح المصادر رغم

--> ( 1 ) الطبري ، ج 3 ، ص 619 وج 4 ، ص 42 . ( 2 ) عرّفه البلاذري بأنه يفصل بين الكوفة والحيرة : فتوح البلدان ، ص 277 . الواقع أن الملطاط كان محطّا لفيضان النهر . ( 3 ) الظهر هو « طريق البادية » : تاج العروس ، ج 3 ، ص 371 . ( 4 ) الطبري ، ج 4 ، ص 422 وج 7 ص 185 ، ورد ذكر مسنّاة جابر في فتوح البلدان ، ص 280 . ( 5 ) التاريخ ، ج 6 ، ص 99 . ( 6 ) أنساب الأشراف ، ج 5 ، ص 258 . ( 7 ) أو بورسوف ؟ ( 8 ) الطبري ، ج 3 ، ص 556 - 557 ؛ مروج الذهب ، ج 1 ، ص 117 . ( 9 ) مروج الذهب ، ج 1 ، ص 118 . ( 10 ) فتوح البلدان ، ص 289 ؛ أنساب الأشراف ، مخطوطة باريس - السليمانية ، وجه ورقة 188 . ( 11 ) فتوح البلدان ، ص 284 .